مجمع البحوث الاسلامية

138

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أمّا جنّ فلان بمعنى فقد عقله ، فهي من أقوال العامّة . ( 131 ) المصطفويّ : والظّاهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو التّغطية والمواراة ، وبمناسبة هذا المعنى استعملت في موارد : فالجنين « فعيل » وهو ما يغطّى ويوارى في بطن أو قبر أو غيرهما . والجنّة « فعلة » كاللّقمة بمعنى ما يجنّ به ، أي ما يغطّى به من ترس أو سلاح آخر . والجنّة « فعلة » مصدر للنّوع كالجلسة ، وهو يدلّ على نوع من المواراة والتّغطية ، ويستعمل في ضعف واختلال يغطّي العقل وهو الجنون . والجنّة « فعلة » مصدر للمرّة ، يطلق على حديقة مغطّاة بالأشجار الملتفّة ، فكأنّها قد غطّيت مرتبة واحدة ، ودامت تغطيتها . [ ثمّ ذكر الآيات وقال : ] وليعلم أنّ ما في هذه الدّنيا المادّيّة من الأكل والنّعم والثّمرات واللّذائذ والمشتهيات ، كلّها في مراتب نازلة عن النّعم الأخرويّة المتقدّمة مرتبة والمتأخّرة زمانا ، وهي متشابهة بهذه النّعم الدّنيويّة في الصّور ، المتفاوتة المختلفة معها في الموادّ خشونة ولطافة ، وشيئيّة الشّيء بصورته لا بمادّته . والألفاظ موضوعة في مقابلة المعاني الموجودة في هذا العالم لأنّها ، هي المتصوّرة المعقولة في الأذهان . وأمّا الموضوعات ومفاهيم عالم الآخرة فلم توضع لها ألفاظ وكلمات ، لأنّها غير مدركة لنا ، نعم تطلق عليها هذه الألفاظ والكلمات بلحاظ التّشابه والتّماثل صورة . ومن هذه الكلمات : الجنّة ، النّهر ، اللّبن ، العسل ، الماء ، النّار ، وغيرها . فجنّة الآخرة : هي جنّة عالية ، وجنّة الخلد ، وخير مستقرّ ، وعرضها كعرض السّماوات والأرض ، وجنّة النّعيم ، تجري من تحتها الأنهار ، جنّة عدن ، جنّة فردوس ، الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم جنّات المأوى . وأمّا « الجنان » فباعتبار كون القلب متواريا ومغطّى في بدن الإنسان . وأمّا « الجنّ » فهو مخلوق في مقابل الإنس ، أي من كان غير مأنوس مع أفراد الإنسان ، ومتواريا عن أنظارهم ومغطّى عنهم ، وهم مكلّفون وذوو عقول ، موحّدون وكافرون . ومبدأ تكوّن الجنّ من النّار ، كما أنّ مبدأ تكوّن الإنس من التّراب ، فإنّ التّراب يكون طينا وصلصالا وحمأ ، كما أنّ النّار يتفرّع منها التّوقّد والحرارة والنّور والإضاءة . فإنّ النّار هي جهة الحرارة الحاصلة من شدّة التّحرّك في الأجزاء ، والنّور ، هو جهة الإضاءة الحاصلة من الحرارة ؛ ففي النّار نور وإضاءة ولطافة وجريان ونفوذ وقوّة . وإذا سكنت تلك الحرارة والقوّة : فهو التّراب وما يتفرّع منه . فمادّة النّار هي المناسبة والمقتضية ، لأن تكون مغطّاة ومتوارية ، بخلاف مادّة التّراب المقتضية للسّكون والممدوديّة والمحجوبيّة والغلظة والكثافة . وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ الحجر : 27 ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ الرّحمن : 15 ، والجانّ : فاعل من الجنون ، وهو من كان